mercredi 3 août 2016

حبر صيني لغسان سلهب



                         خواطر شعرية من أعماق ذهن سلهب 




عرف عن أفلام غسان سلهب كلّها أنها مجدّدة في تركيبتها، بعيدة عن الخطية الكلاسيكية لا تتعاقب الأحداث فيها حسب التسلسل الوضعي الواقعي المعهود، ولكن في « حبر صيني » تجاوز غسان سلهب الحدود التي رسمها في أفلامه السابقة، أو لِنقلْ حادَ عن مساره، اختار هذه المرة أن يتيهَ خارج طريقه المعتادة وان كانت هي الأخرى غير معهودة في السينما العربية، اختار إذا أن يبتعد مرتين، خارج خارج المعهود. لا خطّيةَ تذكر، وعوض أن تتوالى الأحداث جاءت في شكل طبقات وتداخلت مستويات الحكي وتظافرت مع عديد الإحالات السينمائية والأدبية اللبنانية والعالمية.

منذ اللقطات الأولى وقبل العنوان ارتسمت ملامح العمل : لا صوت سوى صوت خُطى الراوي، راوٍ غائب على أنظارنا لأننا بعينيه ننظر، نفترض أنه يحمل الكامرا على  كتفيه، يمشي مخترقا غابة كثيفة في عتمة على مشارف الليل لا ندري إن كانت في بداياته أو في نهاياته. ليس إلاّ. أين نحن ؟ إلى أين هو ذاهب، ومن هو هو ؟ أسئلة يتضّح سريعا أنّ لا معنى لها ولا طائل منها. المهم أننا نتقدم في الظلمة وأعيننا في السماء، سماء تشوبها سحب التهب بعضَها احمرارُ نورٍ زائلة أو قادمة. عشر ثوان. ثم لا شيئ، لقطة بيضاء ناصعة عذراء، ثم تدريجيا ترتسم صورة وكأنما هي نابعة من غياهب العدم، صورة فواتوغرافية لمجموعة من التلاميذ  مصطفين، جاهزين  ينظرون نحو العدسة، جلّهم سود، نفهم منها أنها صورة تذكارية بالمدرسة. ونفهم أننا في السينغال حيث نشأ غسان سلهب فنظلّ نتساءل أين هو ؟ معظمهم سود أمّا البيض فثمانية، فأين هو منهم ؟ نتأمل ونتساءل في صمت على وقع موسيقى نحاسية. ثم في لقطة ثالثة (أو رابعة ان احتسبنا البيضاء الناصعة) نرى من قريب وجهَ فتى لا نشكّ  أنه صاحبنا وهو لا يزال طفلا. صورة غير واضحة. تمهيد لترجمة ذاتية ؟ الجزم خطأ إذا أخذنا جنس الترجمة الذاتية في معناه الذيق الأكاديمي، نحن أقرب من البرتري الذاتي، بمعنى وصف الذات من خلال هواجسها الفنية والأدبية. في كلّ الحالات لا تسلسل خطي في المونطاج، بل صور مستقلة بذاتها تتناغم كنوتات موسيقية صادرة من عمق خيال-ذاكرة الراوي. بعدَها تجيئ لقطات أخرى غارقة أيضا في الظلمة، ظلمة شقة تفتح نوافذها على أزقة بيروت وضجيجها، كقولك غرفته المظلمة التي تلتقط ما يَسّرَه نورُ المدينة الخارجي من مناظر وأصوات، ثم يأتي العنوان ونشاهد غسان سلهب اليوم في بيته يتناول سيجارة وقهوة وصوتُـة من العمق آتٍ  كمِن وراء القبر مرافقا شظايا صور المدينة.

يبدأ الكلام هنا فيتساءل سلهب حول استعماله لللغة الفرنسية، « ترددتُ طويلا » ثم يؤكد حقّه في ذلك ملتجئا إلى عبارة كاتب ياسين « غنيمة حرب ». من هنا ينطلق الفلم، من اشكالية اللسان (لا ننسى أن سلهب شاعر أيضا) و ازدواجية اللغة بل تعدد الثقافة لديه. ويضيف قائلا : « غنيمة حرب مرتين » مرّة باعتباره سينغالي ومرة باعتباره لبناني. بُني الفلم كلُّه على هذا الأساس، على تشابك هذه المستويات وتظافرها. نسيج مركّب من مقتطفات أدبية وسينمائية (من بول سيلان، إلى عادل نصار، مرورا ببازوليني، وأوزو إلخ)… تجري في شرايين الفلم وتغـذّيه…

هكذا نفهم نزعة سلهب إلى الخطاب عن الخطاب، خطاب اللسان عن الصورة، خطاب اللسان عن اللسان (سيلان و نصار)، وخطاب الصورة عن الصورة (بازوليني وأوزو). إن هذا الجانب التأملي متأتٍ  طبعا أولا من وعيعه الشديد بانهيار العالم المحيط به وخوضه غمار إعادة البناء، يشترك في ذلك مع أهم المبدعين المعاصرين، ولكن  نزعته التأملية صادرة أيضا عن تعدد الهويات عنده ولا يمكن تماما فهمها على أنها تلاعب مجاني بالأشكال أو شطحات ثقافوية كما يتبادر لذهن البعض، بل هي ضرورة انشائية، ففراغات المادّة الخارجية الناتجة عن الدّمار والحرب كان لا بد أن تملأها خطاباتٌ شعرية وفنية أصبحت بدورها مادةً يحيل إليها خطابُ سلهب. فلا غرابة أن ينفتح الشريطُ دون سابق اعلام على مقطع طويل لفلم بازوليني     « حظيرة الخنازير » كما لو لم ننتقل من مستوى خطاب إلى مستوى آخر، كما كان من الطبيعي أن تندرج في نسيج الشريط أبياتُ بول سيلان الشاعر الألماني من أصل روماني أو شعرُ عادل نصار وتختلط أحيانا بكلام المخرج نفسه.

لذلك لم يكن المرور من كلام إلى كلام ومن صور إلى صور خلطا أو لخبطة بل جاء مؤسسا لتجانس عميق وسلاسة فائقة لها مع الشعر صلةٌ.  « حبر صيني » يتجاوز مجرد المحاولة، هو رسمٌ لطيف بالحبر الصيني لخواطر شعرية نابعة من عمق ذهن سلهب. ذهن في جسد، جسد في بيت، بيت في شقّة، شقّة في بيروت، ذاك هو « الجهاز ».  جهاز سمعي بصري على النافذة مُنحنٍ، يلتقط من المدينة  أخبارَها وأصداءَها القريبة والبعيدة. خواطر شعرية يَسَّرها استعمالُ آلة الهاتف الجوال آيفون 4 ونمطٌ من الإنتاج لم يلتجئ فيه سلهب إلا إلى وسائله الخاصّة. 
الطاهر الشيخاوي 
مرسيليا 3 أوت 2016